ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

رفيق الحريري... كما تخيّله باسم السبع [1]

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
أسعد أبو خليل
أسعد أبو خليل
السبت 11 كانون الثاني 2025
رفيق الحريري...  كما تخيّله باسم السبع  [1]
الخط


لم يسبقْ أنْ شهدَ لبنان حملة بروباغاندا باهظة الثمن (تَشاركَ فيها الغرب والخليج) كما شهدَ بعد اغتيال الحريري مباشرة، وعلى مرّ سنوات. شركاتُ إعلانات ودعاية وعلاقات عامّة نشطت كي ترسمَ صورة خياليّة لرفيق الحريري كي يستفيدَ منها أعداء مقاومة إسرائيل في لبنان والمنطقة. الأفلام الترويجيّة عنه ملأت الشاشات على مدى أعوام. حتى أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، استفاقت محطّة «العربيّة» (وهي تكرّست، باعتراف إعلام إسرائيل، على أنّها مجرّد بوق للاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة) على رفيق الحريري وبثّت تقريراً استقصائيّاً عن اغتياله. ووُجهة الاتّهام في الاغتيال تغيّرت بعد سقوط نظام الأسد في دمشق. نحو مليار دولار (نصفُها من أموال الشعب اللّبناني) أنفقَتها المحكمة الدوليّة التي تأسّست بقرار من اللّوبي الإسرائيلي في واشنطن لتوجيه الاتّهام إلى حزب الله. لكنْ بعد سقوط النظام السوري، قرّر الغرب والخليج وإسرائيل أنّ النظام السوري هو الذي قتَله. لم يعُد اتّهام الحزب مهمّاً بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان؛ لأنّ العدوّ نجح في إضعاف بنية الحزب العسكريّة والاستخباراتيّة.


أسطورة رفيق الحريري لم تكن يوماً مجانيّة. تسابقَ كُتّاب وشعراء للإسهام في نسْجها: يحيى جابر أراد تخليده في «ملحمة شعريّة» (من يذكرها؟) وزاهي وهبي اقترح تأليف موسوعة عنه (سبقَه أحدٌ إليها. عمر يوسف سلّوم كتب «موسوعة الرئيس رفيق الحريري، شهيداً من أجل لبنان». تعلَم مِن العنوان أنّك أمام دراسة لا صِلة لها بالأكاديميا أو الصحافة الموضوعيّة). الإنفاق الهائل لدُول الغرب والخليج عن رفيق الحريري نجحَ إلى حدٍّ كبير. رفيق الحريري في أذهان الناس هو غير الشخص الذي أطلق عليه حسين الحسيني لقب «الشخص» لخطورة دوره في حينه. لا تعلم الأجيال اللّبنانية اللّاحقة أنّ رفيق الحريري هو الذي «اكتشف» رياض سلامة وأنّه هو الذي أدخل فساداً على نطاق لم تعرفه الجمهوريّة من قبل. لا يعلم الناس أنّ الرجل ضاعف ثروته بصورة هائلة بعد دخوله الحُكم وكان يستغلّ زياراته الرسميّة إلى الدول المختلفة لعقْد صفقات «بزنس».
مِن الكتب الجديدة عن الحريري كتاب باسم السبع الجديد «لبنان في ظلال جهنّم: من اتّفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر. نظلم السبع لو قلنا إنّ الكتاب مكرّسٌ لشخص الحريري؛ لأنّ المؤلِّف أراد أن يجعلَه عن شخصه أيضاً، لكنّ الحريري طاغٍ في الكتاب بالرغم من جُهد السبع لإبراز دوره (هو) ونباهته وحكمته وموهبته الخطابيّة (بنظره).

غرَض الكاتب ليس موضوعيّاً أو استقصائيّاً وإنّما تبجيليّ من دون النظر في حُكم الكتابة عن رجلٍ من قِبل رجلٍ عملَ، ولا يزال، مع الحريري
(الأب ثم الابن)


رفيق الحريري شخصيّة مؤثِّرة في تاريخ لبنان المعاصر، وعندما ستصدر كتابات رصينة عنه في المستقبل سترتبط ظاهرة الحريري بمرحلة سيطرة النظام السوري في لبنان. لم يكن رفيق الحريري بالرغم من ماله ليستطيع أن يصل إلى مركز رئاسة الوزراء لو أنّه لم ينل رضى ومباركة حافظ الأسد الذي عيّنه. المخابرات السوريّة تآمرت لا ديمقراطيّاً ضدّ حكومة عمر كرامي للإتيان بالحريري. ولا نستطيع أن نقول إنّ النظام السوري كان متسلّطاً وطاغياً في لبنان (وبالفعل كان متسلّطاً وطاغياً) ثم نقول إنّ رفيق الحريري كان يمثّل قناعة لبنانيّة صرفة. ثم: إذا كان الحريري ظاهرة لبنانيّة صرفة فلماذا أنفق الملايين على شراء قادة النظام السوري (نعلم عن حالات الفاسدين خدام والشهابي وكنعان وغزالي) حتى لا نتحدّث عن الذين اشتراهم في لبنان من صفّ حلفاء النظام السوري. رفيق الحريري ظاهرة متعلّقة بمرحلة سيطرة النظام السوري على لبنان والتفاهم اللّبناني-السعودي على توكيل حافظ الأسد لإدارة لبنان (وكان ذلك بعد عام 1990 بمباركة أميركيّة مباشرة، كما كان التدخّل السوري في لبنان في عام 1976 بمباركة أميركيّة وإسرائيليّة مباشرة).


ينفي السبع في بداية كتابه أنّه يكتب سيرة الحريري، بل يقول إنّ واجبه «الأخلاقي والوطني» أملى عليه كتابة «مراحل من حياتي الخاصّة والعامّة... والإضاءة على سيرة رجلٍ شكَّلَ علامة فارقة في التاريخ الحديث للجمهوريّة اللبنانيّة». لا ندري كيف أنّ كتابة السيرة الذاتية تكون عملاً أخلاقيّاً ووطنيّاً في آن (ص، 9). كما يعترف الكاتب بأنّ الإحاطة «الموضوعية الشاملة بشخصيّة رفيق الحريري» مستحيلة «على أيِّ كاتب». أي إنّه يمكن كتابة سيرة نبي الإسلام لكن لا يمكن كتابة سيرة نبيّ قريطم. ويقرُّ السبع بأنّ هناك عدداً هائلاً من الكُتب عن رفيق الحريري (لا يذكر كم منها مدفوع وكم منها مجّاني وكم منها توّاق للحصول على التمويل ــــــ مثل الذين يعدّون كُتباً عن العلاقات السعوديّة-اللّبنانيّة أو عن الملك السعودي ثم يقصدون السفارة السعوديّة لقبْض ثمنها) لكن ليس فيها، برأيه، أيّ كتاب يفي الرجل حقَّه. يذكر السبع الفيلم التبجيلي من صنع عمر أميرالاي (الذي أصبح قريباً من عائلة الحريري) وحلقات غسان شربل (المتخصِّص الموضوعي في تحرير صحف أمراء من آل سعود). شربل يسأله أسئلة من نوع أسئلة لاري كينغ لفرانك سناترا (لماذا نحبك، يا فرانك؟). يسأله شربل: لماذا أنت نجحت في أن تكون قطباً في بلد لا يسمح بالأقطاب (ص، 10). سيرة باسم السبع من الطينة نفسها. هنا تعلم أنّ غرَض الكاتب ليس موضوعيّاً أو استقصائيّاً وإنّما تبجيليّ من دون النظر في حُكم الكتابة عن رجلٍ من قِبل رجلٍ عملَ، ولا يزال، مع الحريري (الأب ثم الابن). لا، هو يزعم أنّ انحيازه في الكتابة عنه ليس إلّا «قيمة مضافة» (ص، 16). لكنْ ما هي الإضافة؟


يروي السبع عن أحلام رفيق الحريري، وتتبيّن فوراً أنّ حُلمه كان تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل. أرادَ الحريري تمويل الدول المحيطة بفلسطين كي يمنع شرَّها عن إسرائيل. وحُلم الحريري في تمويل السلام العربي-الإسرائيلي يشمل إسرائيل بالرغم من ارتفاع نسبة الدخل فيها مقارنةً بالدول العربية، لكنّ رفيق لم يكن يريد التمييز على أساس الجنسيّة في مشروعه التمويلي الضخم (ليس من جيبه طبعاً). أرادَ أن يُبنى السلام مع إسرائيل على قاعدة «اقتصاديّة متينة» (ص، 12). تقرأ ذلك وتتخيّل الجلسات الطويلة التي كان يعقدها مع حسن نصرالله، والتي كان يزعم فيها أنّه يدعم مشروع المقاومة (فيما كان يتآمر ضدّها مع دول الغرب والخليج). وكان ينوي دفع مليار دولار لضمان انسحاب سوريا من لبنان؛ وذلك لتسهيل مشروعه للسلام العربي-الإسرائيلي. وهذا المشروع للحريري (والذي أقرأ عنه للمرّة الأولى) هو عين مشروع جارد كوشنر. أي إنّ الحقوق الفلسطينيّة غير ضروريّة، وإنّ كلّ ما يلزم هو دفع المال (من جيب «الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا إلى جانب دول الخليج»). هذا مفهوم التطبيع الإبراهيمي. ومشروع الحريري ليس بالجديد أبداً، بل هو قديم بعمر اللّوبي الإسرائيلي الذي كان يرى أنّه يمكن شراء الرأي العام العربي من دون اضطرار إسرائيل إلى تقديم تنازلات للشعب الفلسطيني.


يمرّ السبع في الكتاب مرور الكرام على كلّ ما يمكن أن يُزعج صورة الحريري. يذكر عرضاً «مدينة كميل شمعون الرياضيّة» (ص، 12) لكن لا يذكر أنّ الحريري عارض إرجاع الاسم على المدينة الرياضيّة وأنّه اختلف مع الهراوي في الأمر، إلى أن زار الأمير عبدالله بن عبد العزيز لبنان فرفع الهراوي المسألة إليه. فما كان مِن عبدالله إلّا أن أمر الحريري بتكريم كميل شمعون من خلال الاسم، فلبّى الحريري ونفّذَ وفوراً. ويُذكر أنّ الحريري كان مهتمّاً بالشأن العراقي كثيراً، وأنّه كان يحلم بـ«اتفاق طائف» عراقي لكنّه لا يذكر أنّ الفكرة وردت أوّل ما وردت على لسان حسن نصرالله (ويومها، اعترضت الزعامات الشيعيّة العراقيّة على الفكرة، حسب ما سمعتُ من نصرالله يومها). ويذكر أنّ الحريري راهنَ على أياد علاوي ليقود العراق لكن لا يذكر أنّ علاوي كان (على ما كُتب عنه في الصحافة العالميّة) صنيعة النظام السعودي وأنّ السعودية كانت تموّل حملاته الانتخابيّة. يذكر أنّ شقيق علاوي كان رسولاً مشتركاً، لكنّه لا يذكر أنّ الحريري تشارك مع علاوي في الـ«بزنس»).
وحلِم الحريري ببناء قصر للمؤتمرات في بيروت لكنّ المعارضة العارمة منعَته (لحسن الحظّ) من تنفيذ الفكرة. لو كان للحريري أن يشيّد قصر المؤتمرات هذا لزادت ديون الشعب اللّبناني على ما ألصقها به رفيق الحريري من ديون. يقول السبع من دون وعي المبالغة إنّ وفاة الحريري أدّت إلى هبوط «فلسطين إلى قعر المأساة». ماذا كان يفعل الحريري لفلسطين في حياته؟ ماذا قدّم لها؟ ما هي المبادرة عن فلسطين غير مشاركته مع النظام السوري في فرض مشروع السلام السعودي مع إسرائيل (وحسناً فعل إميل لحّود يومها بمنْع كلمة ياسر عرفات الذي كان مكلَّفاً من قبل النظام السعودي بطمْس حقّ العودة). ويلوم اغتيال الحريري على انهيار «النظام الجمهوري التقدّمي العربي». لا ندري ما يعنيه السبع هنا (ص، 16) إلّا إذا كان يقصد أنّ رفيق الحريري كان استطاع بحُكم «علاقاته الدوليّة» حماية نظام معمّر القذّافي.
وكتابة السبع عن التاريخ المعاصر لا تحمل أيّاً من القيم العربيّة المعهودة عن معاداة الصهيونيّة ومناصرة الحقّ الفلسطيني. تدرك أنّ مدرسة رفيق الحريري ليست إلّا نسَقاً مبكّراً من اعتناق النظام الإماراتي والسعودي للصهيونية. يذكر السبع، مثلاً، اجتياح 1978، لكنّه لا يذكر الضحايا العرب للعدوان الإسرائيلي، بل يختار ذِكْر 37 قتيلاً إسرائيليّاً «إثر هجوم فلسطيني على حافلة إسرائيليّة» (ص، 17). تدرك من هذه الجملة أنّ السبع استبطن معيار صحافة الغرب الصهيونية التي ترى أنّ ضحايا إسرائيل أغلى ثمناً من ضحايانا.


أمّا الانهيار الاقتصادي المالي والدستوري في لبنان، فمردّه عند السبع إلى اختيار فريق من اللّبنانيّين قتال إسرائيل (ص، 18). فساد رفيق الحريري وهندساته الماليّة لم تؤدِّ دوراً. هو يفضّل السنوات التي حضّرت للحرب الأهليّة عندما أدّى لبنان، حسب تأريخ السبع، دور «المساندة» في الصراع العربي-الإسرائيلي. لكنْ كيف ساند لبنان الدول العربيّة التي خاضت حروباً ضدّ إسرائيل؟ هل أطلق رصاصة ضدّ جيوش العدوّ؟ هو تملّص منذ عام 1948 من كلّ التزاماته العسكريّة أمام الدول العربيّة ورفَض كلّ العروض العربيّة لتزويد لبنان بالسلاح الرادع. ورفَض حماية الخاصرة السورية في حرب 1948. أي إنّ السبع (والحريري طبعاً) من تلاميذ مدرسة بيار الجميّل. لا يرى السبع أيّ بُعد داخلي في الحرب الأهليّة، فكلّ الحرب كانت نتيجة تأثير القضيّة الفلسطينيّة عليه. لا يذكر السبع كلّ المطالب الإسلامية واليساريّة السياسيّة التي اشتكت من جَور النظام اللّبناني.
تُدرك بعد صفحات قليلة من الكتاب أنّك أمام تأريخ يسلبك ناظرَيْك ويحوّر من وقائع وحقائق تاريخ حقائقه لم يبرَح مخيّلتك بعد.
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على اكس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك